أبي أحمد: من جائزة نوبل للسلام إلى الديكتاتورية في لعبة المصالح
في لحظة واحدة، استفاقت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا على خبر اغتيال المغني والناشط السياسي :contentReference[oaicite:0]{index=0}، الصوت الذي عبّر لسنوات عن أحلام شباب الأورومو بالعدالة والحرية. لم يكن مقتله حدثًا فنيًا عابرًا، بل شرارة أشعلت واحدة من أعنف موجات الغضب في تاريخ :contentReference[oaicite:1]{index=1} الحديث.
الغريب أن من واجه هذا الغضب بالقمع والاعتقالات الواسعة لم يكن ديكتاتورًا تقليديًا، بل رئيس وزراء حاصل على :contentReference[oaicite:2]{index=2}. هنا بدأ السؤال الكبير: كيف تحوّل أبي أحمد من أيقونة أمل عالمي إلى رمز للدمار الداخلي؟
الجذور: طفل وُلد في قلب التناقض
وُلد :contentReference[oaicite:3]{index=3} عام 1976 في قرية صغيرة بإقليم أوروميا. نشأ في بيئة تعكس التناقض الإثيوبي كله: أب مسلم من قبيلة الأورومو، وأم مسيحية من قبيلة الأمهرة. تنوع كان يُفترض أن يصنع رجل دولة قادرًا على إدارة الاختلاف، لا إشعال الصراع.
في تلك الفترة، كانت إثيوبيا ترزح تحت حكم نظام عسكري شيوعي دموي يُعرف بـ”الدرج”. القمع، الفقر، وانتهاك الكرامة الإنسانية كانت جزءًا من الحياة اليومية. لكن الصدمة الكبرى في حياة أبي أحمد جاءت مبكرًا.
الصدمة المؤسسة: دم الأخ يصنع الطموح
عام 1990، حين كان أبي أحمد في الرابعة عشرة، قُتل شقيقه الأكبر كدير في عملية سياسية. هذه اللحظة لم تخلق حزنًا فقط، بل ولّدت طموحًا مظلمًا. قرر الفتى أن طريقه سيكون السلاح والسلطة.
انضم إلى الحركات المسلحة المناهضة للنظام الشيوعي، وأظهر ذكاءً مبكرًا حين تعلّم لغة التيغراي ليضمن لنفسه مكانًا داخل شبكات المقاومة. لم يكن مقاتلًا عاديًا، بل عقلًا تنظيميًا يعمل في الظل.
من المقاومة إلى جهاز الدولة
بعد سقوط النظام الشيوعي، لم يخرج أبي أحمد من المشهد، بل دخل قلب الدولة. أصبح ضابطًا في الجيش، وشارك في صراعات متعددة، ثم انتقل إلى أخطر موقع: الاستخبارات.
في 2008، ساهم في تأسيس وكالة أمن المعلومات، الجهاز المسؤول عن الأمن السيبراني. هنا تعلّم كيف تُدار الرقابة، وكيف تُراقَب الشعوب بالتكنولوجيا. مهارات سيستخدمها لاحقًا ليس ضد أعداء خارجيين، بل ضد أبناء بلده.
الدخول إلى السياسة: صعود هادئ بلا ضجيج
في 2010، خلع الزي العسكري ودخل البرلمان، ثم شغل مناصب تنفيذية مثل وزير العلوم والتكنولوجيا ونائب حاكم إقليم أوروميا. كان يتحرك بهدوء، يبني شبكة علاقات، وينتظر اللحظة المناسبة.
هذه اللحظة جاءت عام 2018، عندما انفجرت الاحتجاجات الشعبية وأُجبر رئيس الوزراء على الاستقالة. استغل أبي أحمد الفراغ السياسي بذكاء، وفي أبريل 2018، أصبح رئيسًا للوزراء.
صناعة البطل: إصلاحات بوجه مزدوج
في بداياته، قدّم نفسه كمنقذ. أفرج عن سجناء سياسيين، خفف القيود على الإعلام، سمح بعودة معارضين من المنفى، وعيّن نساء في مناصب غير مسبوقة، بما في ذلك أول رئيسة جمهورية وأول وزيرة دفاع.
أكبر إنجازاته كان توقيع اتفاق السلام مع :contentReference[oaicite:4]{index=4} عام 2018، منهياً صراعًا دام سنوات. العالم صفق، وفي 2019 مُنح جائزة نوبل للسلام.
لكن ما بدا إصلاحًا، كان في الحقيقة إعادة ترتيب للسلطة.
انكشاف القناع: حزب واحد وحكم واحد
في 2019، أسس أبي أحمد “حزب الازدهار”، وحلّ الائتلاف الحاكم الذي كان يضم ممثلين عن مختلف القوميات. الرسالة كانت واضحة: لا شراكة بعد اليوم.
إثيوبيا تضم أكثر من 80 قومية، وإلغاء التوازن بينها بالقوة كان وصفة جاهزة للانفجار. أول من رفض هذا المسار كانت جبهة تحرير شعب تيغراي.
حرب تيغراي: نوبل تغرق في الدم
بدلًا من الحوار، اختار أبي أحمد الحرب. بحجة هجوم على قاعدة فيدرالية، شن حملة عسكرية شاملة على إقليم تيغراي. النتيجة كانت كارثية: مئات الآلاف من القتلى، أكثر من 2.5 مليون نازح، ومنع متعمد للمساعدات الغذائية.
التقارير الدولية تحدثت عن اغتصاب ممنهج، تدمير مستشفيات ومدارس، قطع الكهرباء والاتصالات. مشاهد أعادت للأذهان أسوأ جرائم الحروب الحديثة.
اتساع دائرة النار: أمهرة وأورومو
لم تتوقف الصراعات عند تيغراي. في إقليم أمهرة، دخلت ميليشيات فانو في مواجهة مع الحكومة، فقابلها أبي أحمد بالطائرات المسيّرة والمداهمات الليلية.
الأكثر قسوة أن القمع طال قبيلته نفسها، الأورومو. الشباب الذين رأوا فيه أملًا، بدأوا يرونه خائنًا. وظهر جيش تحرير الأورومو كمقاومة مسلحة جديدة.
الدولة المراقِبة: التكنولوجيا ضد الشعب
عاد أبي أحمد إلى خبرته القديمة. استخدم أجهزة الأمن السيبراني وبرامج تجسس متقدمة لمراقبة المعارضين. لم يكن الأمر حماية للنظام، بل هوسًا بالسيطرة.
في زمن جائحة كورونا، استغل الخوف العام لإجراء انتخابات مثيرة للجدل، قاطعتها المعارضة، ووصفتها التقارير الدولية بأنها غير حرة ولا نزيهة.
قمع الإعلام: السلام يعتقل الصحفيين
رغم نوبل، أغلق قنوات مستقلة، واعتقل صحفيين بارزين، وحوّل حرية التعبير إلى جريمة. السلام الذي رُوّج له خارجيًا، لم يصل يومًا إلى الداخل.
التحالفات الإقليمية: المصالح فوق المبادئ
في ملف سد النهضة، نسج أبي أحمد علاقات وثيقة مع أطراف إقليمية، مقابل دعم أمني وتقني. السد لم يعد مشروع تنمية فقط، بل ورقة ضغط إقليمية.
الدعم شمل أنظمة مراقبة، دفاع جوي، وصفقات تسليح، عززت قبضته الداخلية، وأشعلت مخاوف الجيران.
الخلاصة: ديكتاتور بقناع سلام
قصة أبي أحمد ليست استثناءً، بل نموذجًا خطيرًا. أخطر الديكتاتوريين ليسوا من يعلنون نواياهم، بل من يخفونها خلف شعارات الإصلاح والسلام.
من طفل جريح، إلى منقذ مزيف، إلى حاكم دموي… في لعبة المصالح، السلام قد يكون أحيانًا أكثر الأقنعة خداعًا.