أزمة السويداء: سكينة في ضهر الجبل… كيف تحوّل “حصان طروادة” المحلي إلى بوابة لاختراق الجنوب السوري؟
السكينة اللي بتدبحك من جوه بيتك… هي اللي وجعها بيفضل يعلم فيك طول العمر. فما بالك لو السكينة دي شايلها ابن الشخص اللي كنت فاكره حامي حماك؟ في قلب جبل العرب، أرض الكرامة والتاريخ، حصلت واحدة من أخطر لحظات الغدر السياسي والاجتماعي في الجنوب السوري: اختراق من الداخل، وتوظيف محلي في لعبة أكبر… لعبة المصالح.
النهاردة مش بنحكي عن “خناقة شوارع”، ولا عن حادثة أمنية عابرة. إحنا بنشرّح أزمة السويداء باعتبارها محاولة لتكسير المناعة الوطنية لأكبر تجمع درزي في العالم، وتحويل الجنوب السوري إلى نسخة تانية من إدلب… عبر “حصان طروادة” محلي، تقاطع عنده مشروع الجولاني مع حسابات إسرائيل.
أنا بسمة فؤاد… ودي الحكاية من أولها.
السويداء ليست مجرد محافظة… إنها قلعة “بني معروف”
السويداء مش مجرد محافظة على الخريطة. دي قلعة “الموحدين الدروز” اللي الكل بيحلم يسيطر عليها: موقع استراتيجي ماسك على حدود الأردن، وقريب من دمشق، وفي قلب الجنوب السوري اللي دايمًا كان حساس لأي تغيير في ميزان القوة.
بس عشان تكسر قلعة زي دي… لازم السوس ينخر فيها من جوه. وهنا بدأت الفكرة الأخطر: إزاي يتحوّل تاريخ كامل من الوطنية عند “بني معروف” لأدوات في إيد مخابرات وتنظيمات مسلحة؟ الإجابة بتبدأ من سنة 2015… وبالذات من يوم اتسمّى عند ناس كتير “حجر الدومينو الأول”.
9 يونيو 2015… سقوط اللواء 52: اللحظة اللي عرّت السويداء من الغرب
في 9 يونيو 2015، الجنوب السوري صحي على صدمة مدوية: اللواء 52 ميكا في درعا—واحدة من أكبر القواعد العسكرية في سوريا وقتها—سقط في ساعات معدودة. قاعدة ضخمة، آلاف عساكر، دبابات وتسليح… تنهار في أقل من 6 ساعات قدام هجوم فصائل المعارضة.
السقوط ده ما كانش مجرد خسارة عسكرية. ده كان انهيار استراتيجي خلّى السويداء “عارية” تقريبًا من جهة الغرب، وفتح طريق شديد الخطورة ناحية مطار الثعلة العسكري—القفل اللي كان بيحمي الجبل.
ومن لحظة ما الطريق اتفتح… الغرف المقفولة بدأت تتحرك، والخطة بقت واضحة: مش بس السيطرة… لكن خلق ثغرة دائمة في خاصرة الجبل.
معبر داوود… “مسمار جحا” اللي كان المفروض يدخل منه الموت
عشان تكتمل فصول المخطط في 2015، كان لازم “بوابة للجحيم”: معبر داوود.
المعبر ده ما كانش مجرد طريق ترابي بين القرى. ده نقطة استراتيجية بتفصل بين ريف درعا الشرقي وريف السويداء الغربي، بالقرب من بلدة عرا ومحيط مطار الثعلة. وسط الفوضى اللي حصلت بعد سقوط اللواء 52، اتحوّل المعبر للغز: مين بيفتحه؟ مين بيسهل مرور السلاح؟ ومين مستفيد من ثغرة ما بتتقفلش؟
السيناريو المرعب كان بسيط في قسوته: تحويل معبر داوود لخط إمداد مفتوح للمرتزقة والعناصر المتطرفة، وخلق سوق للدم: خطف… تبادل مخطوفين… سبوبات… سيارات مفخخة… وفتنة مع العشائر. خنجر مسموم في ضهر الجبل، هدفه إن أهل السويداء يتكسروا من جوه.
وحيد البلعوس… صمام الأمان اللي فهم اللعبة مبكرًا
في عز الانهيار، ظهر رجل اتعامل مع الخطر باعتباره معركة حياة أو موت: الشيخ وحيد البلعوس، مؤسس “رجال الكرامة”.
وحيد البلعوس شاف إن السيطرة على معبر داوود أو إغلاقه ضرورة وجودية. لو المعبر فضل شغال تحت إشراف مجموعات مأجورة، السويداء كانت هتبقى ساحة تصفيات يومية. لذلك رفع شعار بقى دستور عند كتيرين: “دم السوري على السوري حرام”.
هو رفض إن ولاد الجبل يبقوا وقود لمعركة فتنة مع جيرانهم في درعا، لكن في نفس الوقت حشد رجاله لحماية مطار الثعلة وريف السويداء الغربي، ومنَع تحويل الجبل إلى ساحة لداعش أو أي رايات سوداء.
ولأن صوته كان عائق… كان لازم يختفي. اغتياله في سبتمبر 2015 كان لحظة مفصلية: مش بس اغتيال رجل، لكن محاولة لاغتيال “بوصلة” كاملة.
ليث البلعوس… من “ابن الرمز” إلى “السكينة في ضهر الجبل”
السنين عدّت… وظهر اسم ليث البلعوس. ناس كتير استبشرت خير: “ابن وحيد”، يعني امتداد طبيعي لـ رجال الكرامة. لكن الواقع أخد طريق تاني.
ليث اختار سكة المال والتبعية. انشق عن المسار اللي أسسه أبوه، ولمّ حواليه مجموعات اتُّهمت بالتورط في الخطف والإتاوات. ومن هنا بدأ يبحث عن “حليف تقيل”… وهنا دخل الجولاني وهيئة تحرير الشام على الخط.
الجولاني، اللي بيحاول يغسل سمعته ويقدّم نفسه كرجل دولة، شاف في ليث “حصان طروادة” مثالي للوصول إلى الجنوب السوري. تحالف شيطاني: الجولاني يمدّ فلوس وسلاح وخبراء أمن… وليث يفتح بيبان السويداء تحت مسمى “إدارة انتقالية”.
لكن اللي اتسمّى “إدارة” ما كانش إدارة… كان سكينة في ضهر السِلم الأهلي، ومشروع لتفكيك المجتمع من الداخل.
2024… الزحف الهادئ إلى المزرعة: لحظة انكشاف الخديعة
في نص 2024، بدأت الخطة تتحرك على الأرض: زحف من ريف درعا الشرقي باتجاه بلدة المزرعة. ليث قعد مع الوجهاء وأقسم إنه جاي “يحمي الناس من الفساد”. والناس صدقت… لأن مين ما يصدقش ابن وحيد البلعوس؟
لكن الحقيقة كانت مُرّة: القوة اللي دخلت المزرعة ما كانتش “نخبة محلية”. اتقال إن 17 واحد فقط من رجالة ليث… والباقي عناصر هجينة ومرتزقة تابعين للجولاني، داخلين بملابس مدنية علشان يستخبوا وسط الناس.
وفي يوليو 2024، “الفاس وقعت في الراس”: عمليات تصفية ونهب… حرق بيوت… سرقة مواشي… إهانة وجهاء… الغدر ما كانش مجرد سلاح، كان كسر للهيبة الاجتماعية اللي بتحمي الجبل قبل أي سلاح.
الحرب الأخطر: بروباغندا “تزييف الوعي”
بالتوازي مع العنف، اشتغلت ماكينة إعلامية قذرة: غرف واتساب… صفحات مجهولة… تمويل ضخم… رسائل جاهزة… كلها بتلمّع ليث وتقدمه “المخلص”، وتشتغل على غسل دماغ الشباب.
الهدف كان تعزل السويداء عن سوريا، وتخلق إحساس زائف إن “الإدارة الانتقالية” هي الحل الوحيد. وده بالضبط اللي بيسموه تزييف الوعي: لما يتم تحويل مجتمع كامل إلى كتلة قابلة للتوجيه، وتتحول الوطنية لتهمة، ويُعاد تعريف “العدو” و“الصديق” على مزاج التمويل.
إسرائيل تدخل على الخط… “حماية الدروز” كذريعة لفتح ثغرة
في 16 يوليو 2024، الطيران الإسرائيلي نفّذ غارات على مواقع حكومية قرب تل الحديد. الذريعة كانت “حماية الدروز”… لكن قراءة أعمق تقول: محاولة لفتح ثغرة تُثبّت وجود المجموعات المرتبطة بليث والجولاني على الأرض.
ثم بدأت رسائل “المساعدات”: شاش وقطن… ومعاهم إشارات لأسلحة خفيفة. الصورة المطلوبة هنا واضحة: إسرائيل “السند الوحيد”، والداخل السوري “الخطر”، والجبل “لازم يطلب نجدة خارجية”.
المشهد الإنساني… حين تتحول الأزمة إلى تجارة في وجع الناس
يوم 17 يوليو، السويداء صحيت على كارثة إنسانية: مستشفيات ممتلئة… تقارير عن مئات الجثث… نزوح واسع من المزرعة والقرى المحيطة… نقص دواء… أطفال في خطر.
هنا لعبة المصالح وصلت لقمة القذارة: يصنعوا الأزمة… ثم يتاجروا في نتيجتها. الجولاني يظهر “رجل الدولة” اللي بيعلن وقف عسكري ودخول مساعدات من إدلب… وإسرائيل تظهر “الأم الحنون”… وليث يقتحم ويضغط من تحت… تبادل أدوار هدفه إن الدروز يقتنعوا إن “قدرهم الجديد” تحالف شمال/جنوب خارج الدولة.
الانقسام الداخلي… الهدف الذهبي لأي اختراق
وسط العاصفة، ظهر اسم الشيخ حكمت الهجري في قلب المشهد: راجل وطني وفاهم المخططات، وحذر من دفع السويداء نحو مشروع تقسيم.
لكن الضغط كان رهيب: سلاح من تحت… دعاية من بره… صدمات إنسانية… وتهديد يومي للأمان. والنتيجة الطبيعية في أي مجتمع تحت الضغط: انقسام. وده كان “الهدف الذهبي” للجولاني: تقسيم المجتمع من الداخل، ثم تقديم نفسه كحل.
تمويل عابر للحدود… حين تتحول “التبرعات” إلى رصاص
واحدة من أخطر زوايا الأزمة هي شبكة التمويل: فلوس داخلة تحت مسمى “إغاثة” عبر حوالات سوداء ومكاتب صرافة مشبوهة، ثم تتحول فورًا إلى سلاح وأجهزة اتصالات وقناصة… وتتحول السويداء إلى مساحة اختبار لاختراق عابر للقارات.
الأخطر إن الخطف نفسه اتحول لـ “بزنس منظم”: تاجر يتخطف… فدية خيالية… فلوس تموّل مرتزقة… يعني أهل الجبل يدفعوا تمن الرصاصة اللي ممكن تتوجه لصدورهم. وده بيخلق استقلال مالي للميليشيا بعيد عن أي رقابة وطنية.
لماذا السويداء الآن؟ ولماذا الجولاني؟
الإجابة مرتبطة بالجغرافيا السياسية: السويداء مدخل لدمشق، والسيطرة عليها معناها فتح جبهة استنزاف مستمرة، وقطع طرق إمداد، وصناعة منطقة عازلة تخدم حسابات أمنية معروفة.
الجولاني يحاول يقدّم نفسه “قوة قادرة على تأمين الحدود”، ويستثمر في فكرة “منع التمدد الإيراني” كعنوان تسويق سياسي. وفي المقابل، إسرائيل تستثمر في خطاب “حماية الأقليات” لتثبيت نفوذها وإعادة هندسة الجنوب.
الخاتمة: الجبل لا يُشترى… والوعي هو خط الدفاع الأول
الغدر لما ييجي من جوه البيت… بيبقى هو الأخطر. وده درس أزمة السويداء: مش بس خطر الخارج، لكن خطر “حصان طروادة” المحلي اللي يلبس عباءة “الحماية” وهو بيطعن في الظهر.
السويداء محتاجة ترجع لبوصلة وحيد البلعوس الحقيقية: الكرامة مش في التبعية للخارج… ولا في قتل الجار… الكرامة في إنك تفضل سوري، متمسك بأرضك، وبوحدة وطنك، مهما كانت التضحيات.
في النهاية، السويداء مراية سوريا. واللي حصل فيها كان محاولة لكسر آخر حصون المناعة الوطنية في الجنوب. الفلوس ممكن تشتري سلاح وتشتري ذمم… لكن مستحيل تشتري تاريخ جبل العرب ولا وطنية “بني معروف”.