تيك توك… من منصة ترفيه إلى ساحة صراع عالمي
تخيّل تطبيق واحد بس، بيكسب حوالي 23 مليار دولار في سنة واحدة، وبيجمع أكتر من 1.6 مليار مستخدم حول العالم، الناس دي بتقضي في المتوسط 34 ساعة شهريًا وهي بتتفرج على فيديوهات قصيرة. في مصر لوحدها، الرقم يوصل لـ 41.3 مليون مستخدم نشط. لكن السؤال الحقيقي مش عن الترفيه… السؤال عن التمن.
تيك توك مش مجرد منصة فيديوهات، ده عالم كامل بيسحب وقتك، تركيزك، وبياناتك الشخصية من غير ما تحس. ومع الوقت، البيانات دي بقت سلاح، وسبب خوف حقيقي لحكومات وأجهزة أمن في العالم كله.
أنا بسمة فؤاد، ودي حلقة جديدة من لعبة المصالح.
تحديات قاتلة… لما التريند يتحول لجريمة
سنة 2021، في إيطاليا، بنت عندها 10 سنين اسمها أنتونيلا، شافت فيديو على تيك توك عن حاجة اسمها “تحدي الإغماء”. الفكرة إنك تخنق نفسك بحزام أو حبل لحد ما تحس بدوخة، وتصوّر الفيديو عشان تبقى تريند.
أنتونيلا جرّبت التحدي في حمام بيتها، بس الحزام اتربط زيادة عن اللزوم، وما قدرتش تفكه. أهلها لقوها من غير نفس. اتنقلت المستشفى… لكن ماتت.
الحادثة، اللي نقلتها وكالة رويترز، خلّت السلطات الإيطالية تفتح تحقيق بتهمة “التحريض على الانتحار”، وفرضت قيود على تيك توك عشان تمنع استخدام الأطفال للتطبيق من غير تأكيد سن.
القصة ما كانتش حالة فردية. في أمريكا، طفلة اسمها نايلا أندرسون، 10 سنين، ماتت بنفس الطريقة بعد ما شافت نفس التحدي. وفي بريطانيا، سنة 2022، أربعة مراهقين أعمارهم بين 12 و14 سنة ماتوا وهم بيجربوا التحدي نفسه، حسب تقارير الغارديان.
تيك توك هنا بقى مش مجرد منصة، بقى متهم مباشر في نشر محتوى خطير، من غير رقابة حقيقية، ومن غير حماية للأطفال.
من فكرة في الصين… لإمبراطورية رقمية
القصة بدأت سنة 2012، شاب صيني اسمه تشانغ يي مينغ، كان شغال في مايكروسوفت، لكن زهق من روتين الوظيفة، وقرر يبدأ شركته الخاصة.
أسّس شركة اسمها بايت دانس، وأطلق تطبيق بيستخدم الذكاء الاصطناعي عشان يعرض الأخبار اللي تهمك قبل ما تدور عليها. التطبيق نجح جدًا في الصين.
سنة 2016، أطلق تطبيق جديد اسمه “دوين”، وده كان الأساس الحقيقي لتيك توك. في أقل من سنة، وصل لـ 100 مليون مستخدم، وبمليارات المشاهدات اليومية.
سنة 2017، نزلت النسخة العالمية باسم تيك توك. وبعدها بسنة، اشترت بايت دانس تطبيق “ميوزكالي” بمليار دولار، ودمجته مع تيك توك. الحركة دي فتحت له السوق الأمريكي على مصراعيه.
كورونا… الفرصة الذهبية
مع جائحة كورونا، ملايين الناس قعدت في البيت. تيك توك استغل اللحظة صح. وصل للأطفال، الشباب، والكبار.
في 2021، التطبيق تخطّى مليار مستخدم نشط شهريًا. وفي 2023، عدد التحميلات وصل لأكتر من 3.5 مليار تحميل عالميًا، رقم ما حققوش غير فيسبوك وإنستجرام وواتساب.
تيك توك بقى تعليم، سياسة، تسويق، موضة، وترندات. بقى موجود تقريبًا على كل موبايل.
البيانات… السر اللي قلب العالم ضد تيك توك
سنة 2022، صحفية أمريكية اسمها إميلي بيكر وايت، كانت بتشتغل في فوربس، اكتشفت إن تيك توك استخدم بيانات موقعها عشان يتجسس عليها.
حسب تقرير أسوشييتد برس، موظفين في بايت دانس استخدموا بيانات GPS عشان يتابعوا تحركاتها، بسبب مقالات انتقدت الشركة.
القصة دي كشفت إن التطبيق بيجمع: موقعك، تحركاتك، نوع جهازك، وطريقة كتابتك. والأخطر؟ تخزين البيانات على سيرفرات في الصين، وقانون الأمن القومي الصيني بيسمح للحكومة تطلبها في أي وقت.
حكومات تتحرك… والحظر يبدأ
الهند كانت أول دولة كبيرة تحظر تيك توك سنة 2020، بعد نزاع حدودي مع الصين، واعتبرته تهديد للأمن القومي.
كندا حظرته على أجهزة الموظفين الحكوميين. بريطانيا غرّمته 12.7 مليون جنيه إسترليني لاستخدامه بيانات أطفال من غير إذن.
وفي أمريكا، الكونجرس مرر قانون سنة 2024 بيجبر بايت دانس تبيع تيك توك أو يواجه الحظر.
المحكمة العليا الأمريكية، في يناير 2025، أيّدت القانون، وقالت إن المنع مش ضد حرية التعبير، لكن ضد السيطرة الأجنبية على بيانات حساسة.
ترامب… والتأجيل المتكرر
مع بداية ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2025، اتأجل تنفيذ الحظر أكتر من مرة، في محاولة لإيجاد مشتري أمريكي للتطبيق.
لكن الصراع لسه قائم، والسؤال لسه مفتوح: هل تيك توك خطر أمني؟ ولا ضحية صراع سياسي واقتصادي؟
الصحة النفسية… الضحية الصامتة
دراسات كتير، منها بحث منشور سنة 2023، أكدت إن الاستخدام المفرط لتيك توك بيرتبط بزيادة القلق والاكتئاب، خصوصًا بين المراهقين.
المقارنة المستمرة مع المشاهير، والتنمر الإلكتروني، وفيديوهات التشخيص الطبي المضللة، كلها عوامل بتضغط على الصحة النفسية.
في النهاية… لعبة المصالح
قصة تيك توك مش قصة تطبيق. دي قصة صراع بين دول، وشركات، وبيانات، وأمن قومي.
هل الحظر هيحمي الناس؟ ولا هيقتل الإبداع وأحلام ملايين الشباب؟
زي دايمًا، السياسة ما بتمشيش بالعاطفة، بتمشي بالمصلحة. وده جوهر لعبة المصالح.