سلطنة عُمان: البلد الهادية في قلب لعبة المصالح
وسط منطقة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، حيث الحروب والتحالفات والانقلابات والعداوات المفتوحة، تقف دولة واحدة بهدوء لافت، بلا ضجيج ولا استعراض قوة. دولة لا تدخل حروبًا، ولا تقاطع أحدًا، ولا ترفع صوتها، ومع ذلك يحترمها الجميع. هذه الدولة هي :contentReference[oaicite:0]{index=0}.
عُمان تشبه ذلك الصديق الهادئ الذي لا يتكلم كثيرًا، لكنه حين يتكلم يسمعه الجميع. بلد رايقة، متزنة، تعرف ماذا تريد، وتعرف قبل ذلك ماذا لا تريد. وفي لعبة المصالح القاسية التي تحكم الشرق الأوسط، اختارت عُمان طريقًا مختلفًا تمامًا.
موقع جغرافي يصنع دولة مؤثرة
تقع سلطنة عُمان في أقصى الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية. يحدها من الغرب السعودية، ومن الشمال الإمارات، ومن الجنوب اليمن، بينما تمتد سواحلها الطويلة على بحر العرب وخليج عُمان، بطول يقارب 3000 كيلومتر.
هذا الموقع منح عُمان عبر التاريخ أهمية استراتيجية وتجارية استثنائية. فهي تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتتحكم بشكل غير مباشر في حركة التجارة والطاقة، دون أن تلوّح بذلك كأداة ضغط.
طبيعة متنوعة تعكس شخصية البلد
عُمان ليست صحراء فقط. هي خليط مدهش من الجبال الشاهقة مثل جبال الحجر، حيث يقف جبل شمس كأعلى قمة، إلى صحاري ممتدة مثل رمال وهيبة، إلى وديان خضراء وشواطئ نقية بلون الفيروز.
وفي الجنوب، تحديدًا في صلالة، يظهر مشهد نادر في الجزيرة العربية: موسم الخريف، حيث الأمطار الموسمية، والضباب، والخضرة التي تحوّل المكان إلى لوحة طبيعية فريدة.
النظام السياسي: استقرار بلا صراعات
عُمان سلطنة ذات نظام ملكي مطلق. السلطان هو رأس الدولة والحكومة معًا. منذ يناير 2020، يتولى الحكم السلطان :contentReference[oaicite:1]{index=1}، خلفًا للسلطان التاريخي :contentReference[oaicite:2]{index=2}.
لكن لفهم عُمان، لا بد من فهم قابوس. الرجل الذي حكم خمسين عامًا، وحوّل بلدًا معزولًا فقيرًا في الخدمات إلى دولة حديثة مستقرة، دون أن يورّطها في صراعات إقليمية.
قابوس بن سعيد: مهندس الحياد
عندما تولى قابوس الحكم عام 1970، كانت عُمان تعاني من عزلة شديدة. لا طرق، لا تعليم حديث، ولا مؤسسات دولة حقيقية. خلال عقود قليلة، أسس البنية التحتية، وبنى الجامعات، وطوّر الموانئ، وفتح البلاد على العالم.
الأهم من ذلك، أنه تبنى سياسة خارجية قائمة على الحياد الإيجابي. لم يعادِ إيران، ولم يصطدم بالسعودية، ورفض الدخول في محاور. حتى عندما قاطعت دول عربية مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، رفضت عُمان المقاطعة ووقفت بجانب مصر.
انتقال هادئ للسلطة
بعد وفاة قابوس، انتقلت السلطة بسلاسة إلى هيثم بن طارق، الذي استكمل النهج نفسه. إحدى أهم خطواته كانت تعيين ابنه ذي يزن وليًا للعهد، في سابقة تاريخية أنهت أي غموض مستقبلي حول الخلافة، ورسخت الاستقرار السياسي.
المذهب الإباضي: سر الهدوء العُماني
أحد أهم مفاتيح فهم المجتمع العُماني هو المذهب الإباضي، الذي يدين به أغلب السكان. الإباضية مذهب إسلامي قديم، معتدل، يقوم على التسامح ورفض العنف.
هذا المذهب لا يكفّر الآخرين، ولا يؤمن بالصراعات الطائفية، ويركز على الأخلاق والسلوك قبل الشعارات. لذلك لم تعرف عُمان صراعات مذهبية، وانعكس هذا الهدوء الداخلي على سياستها الخارجية.
الاقتصاد: من النفط إلى التنوع
لفترات طويلة، اعتمد الاقتصاد العُماني بشكل شبه كامل على النفط والغاز. لكن انهيار أسعار النفط بعد 2014 شكّل صدمة قوية. العجز ارتفع، والديون زادت، وبدأ القلق يتسلل إلى الشارع.
السلطنة لم تهرب من الأزمة، بل واجهتها بإصلاحات صعبة: فرض ضريبة القيمة المضافة، رفع الدعم تدريجيًا، ثم الإعلان عن ضريبة دخل على أصحاب الدخول المرتفعة في 2025، في خطوة غير مسبوقة خليجيًا.
رؤية عُمان 2040: المستقبل قبل فوات الأوان
أطلقت الحكومة رؤية عُمان 2040، التي تهدف لتحويل الاقتصاد إلى نموذج متنوع يعتمد على السياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة، والطاقة المتجددة.
السياحة أصبحت كنزًا حقيقيًا، بعوائد تجاوزت 5.5 مليار دولار في 2024، مستفيدة من الطبيعة الخلابة، والتراث، وتسهيل التأشيرات.
الموانئ والطاقة: استثمار الموقع
استثمرت عُمان بقوة في موانئ صلالة، وصحار، والدقم، لتصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا. كما دخلت بقوة في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، والهيدروجين الأخضر، مستهدفة أسواق أوروبا وآسيا.
الوسيط الهادئ في حرب اليمن
منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014، رفضت عُمان الانخراط العسكري. لم تنضم للتحالف، ولم تغلق قنوات التواصل. بدلاً من ذلك، لعبت دور الوسيط بين السعودية والحوثيين، واستضافت مفاوضات سرية، وسهّلت تبادل الأسرى.
هذا الدور جعل الجميع يحترم عُمان: السعودية، إيران، الحوثيون، والحكومة اليمنية. الوساطة أثبتت أنها أقوى من السلاح.
شخصيات صنعت الهوية العُمانية
عُمان أنجبت شخصيات تاريخية مؤثرة، مثل الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسس الدولة الحديثة، وأحمد بن ماجد أسطورة الملاحة العالمية، والسيد سعيد بن سلطان الذي بنى إمبراطورية بحرية.
وفي العصر الحديث، برزت أسماء ثقافية مثل جوخة الحارثي الحائزة على جائزة مان بوكر، وشخصيات دينية معتدلة مثل الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
عُمان ومصر: صداقة ثابتة
العلاقة بين عُمان ومصر من أكثر العلاقات العربية احترامًا واستقرارًا. عُمان وقفت مع مصر في أصعب اللحظات، واليوم يتوسع التعاون التجاري والسياسي بين البلدين، في نموذج لعلاقات عربية قائمة على الاحترام لا المصالح المؤقتة.
الخلاصة: الحكمة كقوة
عُمان تعلّمنا درسًا نادرًا في الشرق الأوسط: الحكمة أقوى من السلاح، والحياد ليس ضعفًا، والسلام يمكن أن يكون استراتيجية ناجحة.
في عالم عربي مليء بالضجيج، تظل سلطنة عُمان البلد الهادية، الرايقة، التي تثبت أن الاستقرار يُصنع بالعقل، لا بالصراخ.