حمام الشط | عرفات يتحدى الموت في لعبة المصالح
حمام الشط: عرفات يتحدى الموت في لعبة المصالح
في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في لحظات بتقف فيها المنطقة كلها على حافة الانفجار، وبتتحول ضربة واحدة من مجرد عملية عسكرية إلى حدث سياسي يعيد تشكيل التوازنات. غارة حمام الشط سنة 1985 كانت واحدة من اللحظات دي. ضربة إسرائيلية جوه دولة عربية بعيدة عن خطوط المواجهة، محاولة اغتيال مباشرة لياسر عرفات، ورسالة دم وصلت لكل عواصم المنطقة.
النهارده، ومع تكرار الغارات الإسرائيلية خارج فلسطين، من سوريا للبنان، ومن العراق لليمن، ومرورًا بقطر، التاريخ بيعيد نفسه. عشان كده، قصة حمام الشط مش مجرد حكاية قديمة… دي مفتاح لفهم لعبة المصالح اللي لسه شغالة لحد دلوقتي.
من هو الهدف؟ ياسر عرفات والرمز الفلسطيني
ياسر عرفات ماكانش مجرد قائد تنظيم. اتولد في القاهرة سنة 1929، أبوه من غزة وأمه من عائلة الحسيني المقدسية، ومن بدري اتشكل وعيه على فكرة واحدة: فلسطين.
في جامعة القاهرة قاد اتحاد الطلبة الفلسطينيين، شارك في حرب السويس 1956، وبعدها سافر الكويت يشتغل مهندس… لكن شغله الحقيقي كان تنظيم المقاومة. سنة 1959 أسس حركة فتح، ومع نكسة 1967 صعد نجمه لحد ما بقى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1969.
عرفات كان حالة خاصة: قائد ميداني، وسياسي، ودبلوماسي، ورمز شعبي. الكوفية اللي على راسه بقت علم غير رسمي لفلسطين، وصوته وصل الأمم المتحدة قبل ما يوصل أي جيش عربي.
من بيروت إلى تونس: لماذا حمام الشط؟
بعد صدامات أيلول الأسود في الأردن سنة 1970، خرجت منظمة التحرير إلى لبنان. بيروت بقت عاصمة المقاومة، لكن الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الإسرائيلي سنة 1982 غيّروا المعادلة.
إسرائيل حاصرت بيروت، وفرضت خروج عرفات و14 ألف مقاتل فلسطيني. تونس، بدعوة من الرئيس الحبيب بورقيبة، فتحت أبوابها للمنظمة.
حمام الشط، ضاحية هادئة على البحر المتوسط، تبعد حوالي 22 كيلومتر عن العاصمة، تحولت فجأة إلى مقر القيادة الفلسطينية. مكاتب، مساكن، عائلات، وأمن محدود… الكل كان فاكر إن البعد الجغرافي يعني أمان.
القرار الإسرائيلي: عملية الساق الخشبية
بالنسبة لإسرائيل، وجود منظمة التحرير في تونس كان تحدي مباشر. المسافة ما كانتش عائق، والتاريخ أثبت إن يدها طويلة.
بعد حادثة لارنكا في قبرص سبتمبر 1985، الموساد كثف مراقبته. مكالمات متصنت عليها، عملاء على الأرض، ومعلومة ذهبية: عرفات هيكون في اجتماع كبير يوم 1 أكتوبر في حمام الشط.
شمعون بيريز، رئيس الوزراء وقتها، أعطى الضوء الأخضر. اسم العملية: الساق الخشبية. رسالة واضحة: مفيش مكان آمن.
يوم الغارة: ست دقائق غيّرت التاريخ
صباح 1 أكتوبر 1985، الساعة 10:02. ثماني طائرات إسرائيلية قطعت أكتر من 4000 كيلومتر فوق البحر المتوسط، حلقت على ارتفاع منخفض، وتزودت بالوقود جوه الجو.
في حمام الشط، الحياة كانت ماشية طبيعي. موظفين، أطفال، أسر فلسطينية وتونسية… ولا أي إنذار.
القنابل الموجهة نزلت بدقة مرعبة. مقر قوة 17، مكتب الاتصالات، بيوت مجاورة… ست دقائق فقط، والمكان اتحول لركام.
عرفات ينجو… والعملية تفشل
المفارقة اللي قلبت المشهد: عرفات ماكانش في المقر.
وصل من المغرب قبلها بيوم، نام في المرسى، وخرج يتمشى على الشاطئ قبل الاجتماع. تأجيل بسيط أنقذ حياته.
الخسائر كانت فادحة: أكثر من 70 شهيد بين فلسطينيين وتونسيين، عشرات الجرحى، ودمار بملايين الدولارات.
عرفات وصل بعد الضربة بساعات، وقف وسط الركام وقال جملته الشهيرة: “إسرائيل بتحاول تقتل القضية… بس القضية أقوى.”
تونس الغاضبة ورد الفعل الدولي
الغارة كانت صدمة لتونس. انتهاك صريح للسيادة، وضربة على أرض عربية آمنة.
الحبيب بورقيبة استدعى السفير الأمريكي، هدد بقطع العلاقات، وراح مجلس الأمن. القرار 573 أدان إسرائيل وطالبها بتعويضات.
الأهم إن أمريكا امتنعت عن التصويت… سابقه نادرة كشفت إن العملية كانت فجة زيادة عن اللزوم.
نتائج بعيدة المدى: من القصف إلى المفاوضات
عسكريًا، المنظمة خسرت مقرها. سياسيًا، عرفات خرج أقوى.
صورة القائد اللي نجا من الموت ثبتت في الوعي العالمي. ومن هنا بدأت مراجعة استراتيجية داخل منظمة التحرير: هل السلاح وحده كفاية؟
بعد سنوات، الطريق قاد إلى أوسلو 1993. المفارقة إن عرفات وبيريز، أعداء الأمس، وقفوا سوا واستلموا نوبل للسلام.
حمام الشط اليوم: لماذا القصة لم تنتهِ؟
الغارة بقت رمز. في تونس، ذكرى سنوية، وفي الوعي العربي مثال على سياسة الاغتيالات العابرة للحدود.
والنهارده، لما نشوف ضربات إسرائيل في دول بعيدة عن فلسطين، المقارنة بترجع تلقائي. المنهج واحد: القوة، الرسالة، وكسر الردع.
الخلاصة: درس حمام الشط في لعبة المصالح
حمام الشط مش مجرد غارة فاشلة. دي لحظة كشفت إن الصراع مش مرتبط بجغرافيا، وإن السياسة أحيانًا أقوى من القنابل.
عرفات نجا، القضية استمرت، وإسرائيل كسبت معركة وخسرت رواية. والسؤال اللي لسه مطروح: إلى متى يستمر منطق القوة؟ وكم حمام شط آخر يحتاجه العالم قبل ما يفهم إن الدم ما بيقتلش القضايا؟