المسيرة والمقاومة.. كيف تحولت الصحراء الغربية إلى أطول نزاع استعماري في إفريقيا؟
نوفمبر 1975، مشهد غير مسبوق في تاريخ شمال إفريقيا. 350 ألف مغربي بيتحركوا في موجة بشرية واحدة، داخلين الصحراء، شايلين المصاحف ورايات خضراء، والعالم كله واقف بيتفرج في ذهول.
الحدث ده اتسمّى المسيرة الخضراء، لحظة المغرب شايفها استعادة أرض، وجبهة البوليساريو شايفاها بداية احتلال جديد، والأمم المتحدة شايفاها عقدة سياسية لسه مفتوحة لحد النهارده.
أنا بسمة فؤاد، ودي حلقة جديدة من لعبة المصالح، حكاية الصحراء الغربية… من الاستعمار الإسباني، للحرب، لوقف إطلاق نار ما خلصش، ولنزاع بقاله أكتر من 50 سنة من غير فايز حقيقي.
الصحراء الغربية قبل العاصفة.. كنز استعماري منسي
القصة بترجع لأواخر القرن التاسع عشر، سنة 1884، لما إسبانيا في مؤتمر برلين قررت تحط إيدها على الإقليم وتسميه الصحراء الإسبانية.
إقليم مساحته حوالي 266 ألف كيلومتر مربع، على ساحل أطلسي غني بالفوسفات، وثروة سمكية ضخمة، لكن سكانه قبائل بدوية بسيطة زي الرقيبات والتكنة.
لحد الستينيات، الصحراء كانت هادية نسبيًا، لكن مع موجة تصفية الاستعمار اللي ضربت إفريقيا، بدأ الحلم يكبر: دولة صحراوية مستقلة، وهوية خاصة، ومصير يتقرر بإيد أهل الأرض.
ولادة البوليساريو.. من الجامعات إلى الكفاح المسلح
سنة 1973، مجموعة شباب صحراويين بيدرسوا في الجامعات الإسبانية قرروا يعملوا تنظيم سياسي مسلح. سمّوه جبهة البوليساريو اختصار لـ: الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
يوم 20 مايو 1973، نفذوا أول هجوم على حامية إسبانية في الخنكة. هجوم بسيط عسكريًا، لكنه كان إعلان رسمي إن في طرف جديد دخل اللعبة.
بقيادة الولي مصطفى السيد، الجبهة أعلنت إن هدفها الوحيد هو الاستقلال الكامل، وفي الوقت ده إسبانيا نفسها كانت بتجهز للخروج.
1975.. الاستفتاء اللي ما حصلش
تحت ضغط الأمم المتحدة، إسبانيا أعلنت نيتها تنظيم استفتاء لتقرير المصير سنة 1975. الصحراويين يختاروا: استقلال أو استمرار الحكم الإسباني.
لكن المغرب، بقيادة الملك الحسن الثاني، رفض الفكرة من أساسها، وأكد إن الصحراء جزء تاريخي من المملكة، مستند لروابط البيعة بين القبائل الصحراوية والسلاطين المغاربة.
محكمة العدل الدولية قالت كلمتها في أكتوبر 1975: فيه روابط تاريخية، لكنها لا ترقى لسيادة كاملة، والشعب الصحراوي له حق تقرير المصير.
المغرب ما اقتنعش… وكان الرد سياسي وشعبي في نفس الوقت.
المسيرة الخضراء.. حين تحرك المدنيون بدل الجيوش
6 نوفمبر 1975، المغرب نظّم المسيرة الخضراء. 350 ألف شخص، مدنيين في الأساس، دخلوا الصحراء من غير سلاح، لكن برمزيات دينية ووطنية قوية.
إسبانيا، اللي كانت بتلفظ أنفاسها كقوة استعمارية، اختارت الانسحاب. ووقّعت اتفاقية مدريد اللي قسمت الإقليم بين المغرب وموريتانيا.
الاستفتاء اتلغى، والمشهد انفجر.
إعلان الجمهورية الصحراوية وبداية الحرب
27 فبراير 1976، جبهة البوليساريو أعلنت قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
بدعم من الجزائر وليبيا، الجبهة بدأت حرب عصابات ضد المغرب وموريتانيا. الهجمات وصلت للزويرات في موريتانيا، وقُتل فنيين فرنسيين، فالغرب بدأ يقلق.
موريتانيا انهكت وخرجت من الصراع سنة 1979، لكن المغرب كمل لوحده، وضم وادي الذهب، ودخل في مواجهة طويلة.
الجدار الرملي.. حين تحولت الصحراء إلى خط دفاع
في الثمانينات، المغرب بنى الجدار الرملي، أطول خط دفاع في العالم تقريبًا: 2700 كيلومتر من الرمال، مليان رادارات، ألغام، وقوات.
الجدار كرس سيطرة المغرب على 80% من الإقليم، بما فيهم المدن الكبرى زي العيون والداخلة، ودفع البوليساريو للمناطق الصحراوية الفقيرة شرق الجدار.
وقف إطلاق النار 1991.. سلام معلّق
6 سبتمبر 1991، بوساطة الأمم المتحدة، تم وقف إطلاق النار، وتأسست بعثة المينورسو.
الهدف كان واضح: تنظيم استفتاء يختار فيه الصحراويون بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب.
لكن الخلاف على مين يحق له التصويت حوّل الاستفتاء لملف منسي، والمينورسو بقت مجرد بعثة مراقبة.
الكركرات 2020.. عودة النار تحت الرماد
سنة 2020، ممر الكركرات الحدودي انفجر. نشطاء صحراويين أغلقوا الطريق، والمغرب تدخل عسكريًا.
البوليساريو أعلنت انتهاء وقف النار، وبدأت مناوشات محدودة، بطائرات مسيرة، لكن من غير حرب شاملة.
الواقع الإنساني.. من يدفع الثمن؟
حوالي 170 ألف لاجئ صحراوي عايشين في مخيمات تندوف بالجزائر. ظروف قاسية، اعتماد شبه كامل على المساعدات، وأجيال كاملة اتولدت من غير ما تشوف وطن.
في المقابل، المدن تحت السيطرة المغربية فيها استقرار نسبي، لكن مع رقابة أمنية، وقصص قمع لنشطاء زي سلطانة خيا.
لعبة المصالح الإقليمية والدولية
المغرب بيكسب دعم دولي متزايد، خصوصًا بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادته سنة 2020، وفرنسا وإسبانيا دعمت مبادرة الحكم الذاتي.
الجزائر مستمرة في دعم البوليساريو، كجزء من صراع إقليمي قديم مع المغرب. والدول العربية منقسمة بين دعم وحياد.
إلى أين تذهب الصحراء الغربية؟
أربعة سيناريوهات مطروحة: استمرار الجمود، حل سياسي تفاوضي، تصعيد عسكري خطير، أو حلم الاستقلال الصعب.
وفي كل سيناريو، الطرف الأضعف دايمًا هو الإنسان الصحراوي.
الخلاصة.. لعبة بلا فائز
الصحراء الغربية لغز سياسي مفتوح. المغرب بيحارب على السيادة، والبوليساريو بتحارب على الحلم، والأمم المتحدة بتحاول تدير أزمة من غير أدوات حقيقية.
وفي لعبة المصالح دي، السنين بتمر، واللاجئين بيكبروا، والسؤال لسه مطروح: إمتى تنتهي اللعبة؟