Interests Game

دونالد ترامب في شرم الشيخ: تاريخ العلاقات المصرية الأمريكية



حكاية الزيارات الأمريكية لمصر | لعبة المصالح

حكاية الزيارات الأمريكية لمصر | لماذا القاهرة هي بوابة الحل في الشرق الأوسط؟

في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، وتتعقد الأزمات، وتضيع الحلول بين العواصم، تعود الأنظار مرة أخرى إلى القاهرة. ليس مصادفة، وليس مجاملة دبلوماسية، لكن لأن مصر، عبر التاريخ، كانت دائمًا نقطة التوازن، ومفتاح العقد، واللاعب الذي لا يمكن تجاوزه.

زيارة دونالد ترامب الأخيرة لمصر، رغم أنها بدت للبعض زيارة عادية، فإنها في الحقيقة تحمل في طياتها ملفًا واحدًا ثقيل الوزن: غزة، والحرب، والنزيف المستمر، والعجز الإقليمي والدولي عن إيقاف المأساة.

ترامب يدرك، كما أدرك من سبقوه، أن مصر ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل هي مركز ثقل سياسي وجغرافي وتاريخي، ومن دونها لا يمكن بناء سلام، ولا تمرير تسوية، ولا حتى إدارة أزمة.

القاهرة 1943: حين أصبحت مصر مركز العالم

تعود بداية الحكاية إلى عام 1943، في ذروة الحرب العالمية الثانية. العالم كان ينقسم بين معسكرين، والنازية تجتاح أوروبا، واليابان تسيطر على آسيا، والولايات المتحدة تدخل الحرب بكل ثقلها العسكري والسياسي.

في تلك اللحظة، اتخذ الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قرارًا غير متوقع: ترك واشنطن، والسفر إلى القاهرة، لعقد مؤتمر تاريخي مع وينستون تشرشل وشيانج كاي شيك.

القاهرة تحولت فجأة إلى غرفة عمليات العالم. منها رُسمت خطط الحرب ضد النازية، ومنها فهمت واشنطن لأول مرة أن مصر ليست مجرد مستعمرة سابقة، بل بوابة الشرق الأوسط، ومفتاح أفريقيا، ومركز توازن استراتيجي لا غنى عنه.

بعدها بعامين فقط، عاد روزفلت ليجلس على متن الطراد الأمريكي كوينسي في البحيرات المرة قرب السويس، ويلتقي بالملك فاروق وملك السعودية وإمبراطور إثيوبيا، في محاولة لرسم ملامح الشرق الأوسط بعد الحرب.

القطيعة: حين خرجت مصر من الحسابات الأمريكية

لكن هذه العلاقة لم تستمر طويلًا. مع صعود جمال عبد الناصر وتوجهه نحو الاتحاد السوفيتي، دخلت مصر المعسكر الشرقي، وخرجت مؤقتًا من الخريطة الأمريكية.

رغم أن واشنطن وقفت إلى جانب مصر سياسيًا في عدوان 1956 ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، إلا أن العلاقات ظلت باردة، حتى جاءت هزيمة 1967، وقطعت القاهرة علاقاتها مع الولايات المتحدة بالكامل.

ست سنوات كاملة لم تطأ فيها قدم رئيس أمريكي أرض مصر، إلى أن تغيّر كل شيء بعد حرب أكتوبر.

السادات ونيكسون: العودة الكبرى

بعد انتصار أكتوبر 1973 واستعادة مصر لكرامتها العسكرية، عاد العالم ليعيد حساباته. وفي يونيو 1974، وصل ريتشارد نيكسون إلى القاهرة.

الاستقبال كان أسطوريًا: ملايين المصريين في الشوارع، والرسالة واضحة: مصر عادت لاعبًا رئيسيًا، لا يمكن تجاهله.

السادات فتح صفحة جديدة مع واشنطن، طرد الخبراء السوفييت، وأطلق سياسة الانفتاح، بينما كان نيكسون غارقًا في فضيحة ووترغيت، ويحتاج إلى إنجاز دبلوماسي ينقذه سياسيًا.

الصفقة تمت: تعاون، مساعدات، علاقة استراتيجية، ومصر عادت بقوة إلى مركز الاهتمام الأمريكي.

كارتر ومعجزة السلام

ثم جاء جيمي كارتر، الرئيس الذي رأى نفسه رسول سلام. زار مصر مرتين، الأولى في أسوان عام 1978، والثانية في مارس 1979، حين وقف في البرلمان المصري معلنًا التزام واشنطن بالسلام.

بعد أيام، وُقّعت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، واستعادت مصر سيناء، وأصبحت الشريك العربي الأهم للولايات المتحدة.

التسعينيات: مصر رجل الأزمات

مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، عاد الشرق الأوسط إلى الغليان. وفي 1990، حين غزا صدام حسين الكويت، كان جورج بوش الأب يعلم أن الحرب لا يمكن أن تُخاض من دون غطاء عربي.

الطريق كان القاهرة. مصر أرسلت 35 ألف جندي، وأصبحت الشريك الاستراتيجي الأول في تحرير الكويت.

كلينتون: مصر قلب السلام ومكافحة الإرهاب

بيل كلينتون كان أكثر رئيس أمريكي زار مصر. أربع زيارات، في كل مرة كانت القاهرة هي محطة الحل.

في 1996، استضافت مصر قمة صانعي السلام ضد الإرهاب في شرم الشيخ، لتعلن رسميًا أن مصر هي قلب مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط.

وفي عام 2000، حين فشلت مفاوضات كامب ديفيد واندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عاد كلينتون إلى القاهرة محبطًا، باحثًا عن مخرج لا يجده إلا عند مبارك.

من بوش إلى أوباما: مصر الثابت الوحيد

زار جورج بوش الابن مصر ثلاث مرات، رغم الخلاف حول حرب العراق، لأن القاهرة كانت دائمًا الحليف الذي لا يُستغنى عنه.

وفي 2009، اختار باراك أوباما جامعة القاهرة ليوجه خطابه الشهير إلى العالم الإسلامي، مدركًا أن الرسالة لا تصل إلا من قلب مصر.

بايدن ثم ترامب: القاهرة مفتاح غزة

في 2022، حضر جو بايدن قمة المناخ في شرم الشيخ، مؤكدًا أن الشراكة مع مصر ثابتة رغم الخلافات.

واليوم، يعود دونالد ترامب من جديد، ليس كسائح سياسي، بل كرجل يبحث عن حل لحرب غزة، ويعرف أن الطريق الوحيد يمر من القاهرة.

الخلاصة: لماذا مصر لا تُستبدل؟

من روزفلت إلى ترامب، من 1943 إلى 2025، الرؤساء يتغيرون، الإدارات تتبدل، الأزمات تتفاقم، لكن مصر تبقى.

مصر ليست مجرد وسيط، هي ميزان المنطقة، وبوابة الشرق الأوسط، والرقم الذي لا يمكن حذفه من أي معادلة سلام.

وهنا نفهم الدرس الحقيقي من لعبة المصالح: في السياسة، القوة لا تكون دائمًا في السلاح، أحيانًا تكون في التاريخ، وأحيانًا في الجغرافيا، وأحيانًا… في دولة اسمها مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top