لعبة المصالح: السودان – من راعي إبل إلى جزار دارفور
تخيل معايا راعي إبل بسيط، ماشي في صحراء دارفور، شايف تلال بتلمع تحت الشمس. بريق غريب، مش طبيعي. يحفر شوية… يلاقي دهب. مش شوية دهب، ده كنز حقيقي. الخبر ينتشر، والآلاف يجروا على المكان، كل واحد عايز نصيبه من الكنز. المكان ده اسمه جبل عامر، والناس سموه وقتها «سويسرا السودان».
الثروة دي كان ممكن تبني دولة كاملة، وتخلي السودان من أغنى دول أفريقيا. لكن اللي حصل إن الدهب اتحول للعنة. قبائل اتحاربت، ميليشيات سيطرت بالقوة، وسيل دم فتح أبوابه. ومن هنا تبدأ لعبة المصالح في السودان.
اللي حصل في جبل عامر هو صورة مصغرة للي حصل في السودان كله. صراع على الكنز، والكنز دايمًا بيتدفع تمنه دم. في لعبة المصالح، الدهب عمره ما كان لونه أصفر بس… أحيانًا بيبقى لونه أحمر.
قنبلة الميليشيات: الغلطة القاتلة
قبل ما نكمل القصة، لازم نفهم قاعدة مهمة جدًا: أي رئيس بيعمل ميليشيات موازية للجيش الوطني، بيزرع قنبلة موقوتة في بلده.
الجيش مؤسسة الدولة، ولاؤه المفروض للوطن. الميليشيات ولاؤها للأشخاص. بتاخد فلوس أكتر، امتيازات أكتر، وتبقى فوق القانون. ولما النظام يهتز… الميليشيا تتحول لدولة جوه دولة.
وده بالظبط اللي عمله عمر حسن البشير في السودان. نفس السيناريو شفناه في ليبيا، العراق، لبنان… والنتيجة دايمًا واحدة: حرب أهلية، دمار، وشعب بيدفع التمن.
الانقلاب والتمكين: كيف خُطفت الدولة
في 30 يونيو 1989، استيقظ السودان على انقلاب عسكري. ضابط اسمه عمر البشير استولى على السلطة، لكن العقل الحقيقي كان حسن الترابي، زعيم الحركة الإسلامية.
الخطة كانت واضحة: السيطرة على الدولة باسم الدين. بدأت سياسة «التمكين»: تطهير مؤسسات الدولة من أي حد مش تابع للجماعة.
البشير اعترف بنفسه إنه فصل أكتر من 600 ألف سوداني من وظائفهم. مش عشان فساد، لكن عشان مش إخوان.
النتيجة؟ دولة مختطفة. 700 شركة وهمية لنهب المال العام. الفساد قفز سبعة أضعاف في أربع سنين. وعند سقوط البشير سنة 2019، وُجدت ملايين الدولارات واليورو نقدًا في بيته.
دارفور: حين يصبح القتل سياسة
سنة 2003، اندلعت الحرب في دارفور. متمردون رفعوا السلاح احتجاجًا على التهميش. البشير احتاج حل سريع… فسلّح ميليشيات قبلية عربية: الجنجويد.
اللي حصل بعد كده كان جريمة مكتملة الأركان: حرق قرى، قتل جماعي، اغتصاب، وتشريد مئات الآلاف. الولايات المتحدة وصفت اللي حصل إنه إبادة جماعية. والمحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرة اعتقال ضد البشير.
لكن العالم العربي سكت. نطالب بمحاكمة مجرمي الحرب لما يكونوا من بره، ونسكت لما يكونوا من جوه.
حميدتي: من الصحراء إلى قمة الدم
وسط الفوضى، ظهر اسم محمد حمدان دقلو – حميدتي. راعي إبل بسيط من قبيلة الرزيقات. تعليمه الصحراء… وسلاحه القسوة.
كوّن ميليشيا صغيرة، انضم للجنجويد، وبرع في القتل. سيطر على مناجم الذهب في دارفور، والدهب خلاه ملياردير حرب.
في 2013، حوّل البشير الجنجويد رسميًا إلى قوات الدعم السريع. حميدتي بقى عنده جيش خاص… دولة جوه دولة.
الثورة والخيانة
في ديسمبر 2018، الشعب السوداني خرج يهتف: «تسقط بس». وفي أبريل 2019، سقط البشير. الناس حلمت بالديمقراطية.
لكن الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع خانوا الثورة. انقلاب 2021 أجهض الحلم.
الخلاف الحقيقي كان على السلطة. مين يحكم؟ ومين يسيطر على السلاح؟
حرب 15 أبريل: سقوط الدولة
في 15 أبريل 2023، انفجرت الحرب. قوات الدعم السريع هاجمت الخرطوم. الطيران، المدفعية، الدبابات… العاصمة تحولت لجحيم.
لكن الكارثة الحقيقية كانت في دارفور. الإبادة عادت. اغتصاب كسلاح حرب. تجويع متعمد. تشريد جماعي.
منظمات دولية وثقت مئات حالات الاغتصاب، بما فيها أطفال. وفي يناير 2025، الولايات المتحدة أعلنت رسميًا: قوات الدعم السريع ترتكب إبادة جماعية.
الفاشر: المدينة التي قاومت
الفاشر كانت آخر معاقل الجيش في دارفور. مليون ونصف إنسان تحت الحصار. 500 يوم من الجوع والقصف والمرض.
قُصفت المساجد وقت الصلاة. قُصفت المستشفيات. انتشر الكوليرا. الأطفال ماتوا جوعًا.
وفي أكتوبر 2025… سقطت الفاشر. وبدأ الانتقام. إعدامات ميدانية. خطف أطباء. مدينة تُسحق أمام العالم.
السودان وأفريقيا: لعنة الموارد
السودان مش حالة استثنائية. أفريقيا أغنى قارة بالموارد… وأفقر قارة شعوبًا.
استعمار قديم، استعمار جديد، حكام فاسدين، وشركات سلاح بتتغذى على الدم.
النتيجة: ملايين القتلى، أكبر أزمة نزوح في العالم، ودول بتتفكك من جوه.
هل السودان على طريق التقسيم؟
الخطر حقيقي. غرب، شرق، شمال، جنوب… كل إقليم معاه سلاحه.
التقسيم مش حل. هو وصفة لحروب أطول. الحل الوحيد: سلام، محاسبة، وحكم مدني.
الخاتمة: القصة عن الإنسانية
القصة دي مش عن حميدتي، ولا البشير، ولا البرهان.
القصة عن إنسانية ضاعت، وشعب اتساب لوحده، وعالم بيتفرج.
دي لعبة المصالح… ولما المصالح تكسب، الإنسان دايمًا هو الخاسر.