لعبة المصالح | السيرة الذاتية بين الفن والمقدس وصراع الذاكرة
لعبة المصالح: السيرة الذاتية بين الفن والمقدس وصراع الذاكرة
في كل مرة يُعلن فيها عن عمل فني يتناول سيرة شخصية تاريخية أو فنية أو دينية، تبدأ العاصفة قبل أن يبدأ العرض. الغضب يسبق المشاهدة، والأحكام تُصدر قبل الصورة الأولى، وكأن الجمهور يخوض معركة دفاع عن ذاكرته قبل أن يرى العمل نفسه. هذا ما حدث مع الإعلان عن فيلم الست عن أم كلثوم، وما حدث قبله بعقود، وما سيتكرر لاحقًا مع أي عمل يقترب من منطقة السيرة الذاتية.
لماذا نغضب قبل أن نشاهد؟
السؤال الحقيقي ليس عن جودة العمل، ولا عن المكياج أو الشبه أو الأداء، بل عن الخوف. الخوف من كسر الصورة المثالية المخزنة في الوعي الجمعي. أم كلثوم ليست مجرد مطربة، بل رمز للهوية، ولزمن جميل، ولدولة كانت تبحث عن صورتها. وعندما يقترب صانع عمل من هذا الرمز، يشعر الجمهور وكأن ذاكرته الشخصية مهددة.
التجربة تكررت من قبل مع مسلسل أم كلثوم عام 1999. في البداية، هجوم ورفض واعتراضات من الورثة. وبعد العرض، تحول العمل إلى أحد أهم المسلسلات في تاريخ الدراما المصرية. المشكلة لم تكن في صابرين، بل في فكرة التغيير نفسها.
السيرة الذاتية: منطقة ألغام
كل عمل سيرة ذاتية يدخل منطقة شديدة الحساسية. هناك الجمهور، وهناك الورثة، وهناك التاريخ، وكل طرف يرى الحقيقة من زاويته. الفن هنا لا ينافس الواقع فقط، بل ينافس الذاكرة. ولهذا السبب، تصبح السيرة الذاتية ساحة صراع وليست مجرد حكاية تُروى.
حين اقترب الفن من المقدس
إذا كان تقديم سيرة فنان يثير الجدل، فماذا عن الأنبياء؟ التاريخ يذكر محاولة يوسف وهبي تجسيد شخصية النبي محمد في ثلاثينيات القرن الماضي. قبل أن يُكتب السيناريو، اندلعت الأزمة. الأزهر تدخل، الحكومة تحركت، والملك نفسه هدد بسحب الجنسية. تم إغلاق المشروع بالكامل، وأُغلق معه باب كامل في السينما المصرية.
منذ تلك اللحظة، ترسخت قاعدة غير مكتوبة في مصر: لا تجسيد للأنبياء ولا للصحابة. وحتى الأعمال التي اقتربت من التاريخ الديني استخدمت الصوت أو الرمز، كما حدث في فيلم الرسالة.
العالم الآخر: هوليوود والجرأة
في المقابل، تعاملت هوليوود مع هذه المنطقة بجرأة أكبر. قدمت أفلامًا عن الأنبياء منذ عشرينيات القرن الماضي. إبراهيم، نوح، موسى، سليمان، يوحنا المعمدان، والمسيح. كل ذلك وسط هجوم ومنع وغضب، لكن الصناعة استمرت.
أفلام مثل الوصايا العشر، وملك الملوك، وآلام المسيح، لم تكن مجرد أعمال فنية، بل كانت معارك ثقافية ودينية وسياسية. نجحت لأنها لم تكتفِ بالحكي، بل دخلت في صلب الصراع حول الرواية.
السينما المصرية والسيرة الذاتية
في مصر، السيرة الذاتية وجدت طريقها بشكل مختلف. بعيدًا عن المقدس، اقتربت السينما من الفن والسياسة. أعمال عن بديعة مصابني، وسعاد حسني، وعبد الحليم حافظ، وأنور السادات، وجمال عبد الناصر. وفي كل مرة، كانت الأزمة حاضرة.
الورثة يحتجون، والجمهور يخاف، والدولة تراقب. لكن بعض الأعمال نجحت في كسر الدائرة، والسبب لم يكن في السيناريو فقط، بل في الممثل.
أحمد زكي: مدرسة التحول الكامل
عند الحديث عن السيرة الذاتية، لا يمكن تجاوز تجربة أحمد زكي. هو الممثل الوحيد الذي دخل هذه المنطقة وخرج منها دون أن يتحول إلى ضحية مقارنة. لم يكن يقلد، بل يتحول.
في أدوار السادات وعبد الناصر وعبد الحليم، لم يبحث عن الشبه الخارجي، بل عن الروح الداخلية. كان يعمل من الداخل إلى الخارج، لا العكس. ولهذا، صمتت الاعتراضات بعد العرض.
أحمد زكي لم يقدس الشخصية ولم يشوهها. كشف الإنسان. وهذا أخطر وأصدق ما يمكن أن يفعله عمل سيرة ذاتية.
الجمهور والهجوم المسبق
النمط يتكرر دائمًا. هجوم قبل العرض، ثم مراجعة بعد المشاهدة. السبب أن الجمهور يخاف من المواجهة. السيرة الذاتية ليست مجرد قصة، بل مرآة. ومن الصعب أن يرى الإنسان صورته أو صورة رموزه وهي تُعاد صياغتها.
السيرة الذاتية كلعبة مصالح
في النهاية، السيرة الذاتية ليست عملًا بريئًا. هي صراع على الحقيقة، وعلى الذاكرة، وعلى الصورة. الورثة يريدون صورة مثالية. الجمهور يريد صورته الخاصة. والفنان يريد أن يقول روايته.
وهنا تبدأ لعبة المصالح. لا أحد يخرج منها منتصرًا بالكامل. لكن من يملك الصدق، يملك فرصة النجاة.
الخاتمة: لماذا تتكرر الأزمة؟
لأن الحقيقة ليست واحدة. ولأن الذاكرة ليست محايدة. ولأن الفن، حين يقترب من السيرة الذاتية، لا يروي الماضي فقط، بل يعيد تشكيله.
ولهذا ستظل الأسئلة قائمة: لماذا نخاف من السيرة الذاتية؟ هل الحقيقة واحدة أم متعددة؟ ومتى نتوقف عن محاكمة العمل قبل أن نراه؟
١في لعبة المصالح، لا يوجد جواب نهائي. لكن السؤال هو البداية دائمًا.