الدروز: لغز الشرق الأوسط – أسرار القوة المخفية للعقيدة السرية

الدروز: طائفة صغيرة صنعت تاريخًا أكبر من حجمها

في قلب الشرق الأوسط، وسط الخرائط المتغيرة والصراعات التي لا تنتهي، تعيش طائفة صغيرة نجحت في إنها تكسر كل القواعد. طائفة عددها لا يتجاوز المليون تقريبًا، لكنها كانت دائمًا حاضرة في اللحظات الفاصلة من تاريخ المنطقة.

من جبال لبنان، إلى السويداء في سوريا، إلى فلسطين، الدروز أو “الموحدون” حافظوا على هوية دينية غامضة، ونجحوا في البقاء رغم سقوط إمبراطوريات وصعود دول كبرى. لكن السؤال الحقيقي: إزاي جماعة بدأت كفكرة فلسفية دينية، اتحولت مع الوقت لقوة سياسية وعسكرية، وبقت لاعب أساسي في لعبة المصالح الإقليمية؟

أنا بسمة فؤاد، ودي حلقة جديدة من لعبة المصالح، حكاية الدروز… من العقيدة السرية للمقاومة المفتوحة.

الحاكم بأمر الله: البداية الغامضة

القصة بتبدأ في قلب القاهرة، في زمن الدولة الفاطمية. سنة 996 ميلادية، طفل عنده 11 سنة بيتولى الحكم: الحاكم بأمر الله. شخصية أربكت المؤرخين من أول يوم.

مرة يفرض قوانين صارمة، ومرة يمنع أكل أنواع من الطعام، ومرة يأمر الناس يلبسوا ألوان معينة. فيه اللي شافه حاكم مختل، وفيه اللي شافه عادل لكن مختلف.

لكن بالنسبة لأتباعه، اللي هيبقوا لاحقًا نواة الدروز، الحاكم لم يكن مجرد خليفة. كان “تجلّي للإرادة الإلهية”.

الدرزي وحمزة بن علي: صراع الفكرة والهدوء

في وسط الجدل، ظهر محمد بن إسماعيل الدرزي. راجل مندفع، وقف في الجامع وقال جملته الشهيرة: “الحاكم مش مجرد خليفة… ده إله”.

الكلام ده فجّر غضب العلماء والناس، وانتهت دعوته نهاية مأساوية. لكن في الظل، كان فيه عقل تاني شغال بهدوء: حمزة بن علي.

حمزة فهم إن الصدام المباشر هيدمر الفكرة. كتب رسائل، نظم العقيدة، وبنى جماعة سرية متماسكة. ومن هنا، اتشكلت العقيدة الدرزية بصيغتها النهائية.

عقيدة مغلقة وهوية سرية

العقيدة الدرزية جمعت بين الفلسفة اليونانية، والتصوف، والأفكار الباطنية. المعرفة فيها مش متاحة للجميع، لكن محصورة في “العُقّال”، بينما “الجهّال” يعيشوا حياة عادية.

وفي سنة 1021، اختفى الحاكم بأمر الله فجأة. اختفاء غامض فتح باب الأسطورة. الدروز اعتبروا إن الحاكم غاب وسيرجع في آخر الزمان.

لكن الاختفاء ده جاب اضطهاد شديد. الدعوة اتمنعت في مصر، وأتباعها اضطروا يهربوا لجبال الشام.

الجبال: الحصن الطبيعي للدروز

في جبال لبنان، وسوريا، وفلسطين، بدأت الجماعة الدرزية تتشكل. الجبال كانت أكتر من مجرد جغرافيا، كانت وسيلة بقاء.

هناك تشكلت قيم الشجاعة، والولاء، والاعتماد على النفس. الدروز اختاروا العزلة، لكن مش الضعف.

الدروز والمماليك: سياسة البقاء

سنة 1260، وقف الدروز مع المماليك في معركة عين جالوت، وكانوا جزء من القوة اللي كسرت المغول.

المماليك ما كانش يهمهم العقيدة، قد ما كان يهمهم الولاء والضرائب. والدروز لعبوها بذكاء: ساعات ولاء، وساعات مقاومة.

العثمانيون: من جماعة جبلية إلى فاعل سياسي

مع دخول العثمانيين سنة 1516، بدأ فصل جديد. الدروز بقوا جزء من التركيبة السياسية.

الأمير فخر الدين المعني الثاني كان النموذج الأوضح. حلم بدولة مستقلة في جبل لبنان، وتحالف مع العثمانيين تارة، ومع أوروبا تارة أخرى.

لكن اللعبة كانت أكبر منه. السلطان العثماني شافه خطر، وتم التخلص منه سنة 1635.

فتنة 1860: الجرح الطائفي

في القرن الـ19، حصل انفجار كبير بين الدروز والموارنة. مواجهات دموية، وسقوط عشرات الآلاف.

التدخل الأوروبي أنهى القتال، لكنه زرع بذور انقسامات طويلة المدى.

جبل الدروز في سوريا: عائلة الأطرش

في جنوب سوريا، برزت عائلة الأطرش. إسماعيل الأطرش كان شيخ مشايخ الدروز، قائد قوي، ووسيط ضروري للعثمانيين.

لكن لما زادت الضرائب، ثار ضدهم سنة 1890. الثورة فشلت، وتم التخلص منه لاحقًا.

ثورة 1925: الدروز ضد فرنسا

مع الانتداب الفرنسي، الدروز رفضوا الخضوع. سنة 1925، قاد سلطان باشا الأطرش الثورة السورية الكبرى.

الثورة جمعت مسلمين ومسيحيين ودروز، ورفعت شعار: “الدين لله والوطن للجميع”.

رغم القمع، الثورة هزت فرنسا، وخلّت السويداء مركز رمزي للدروز.

الدروز والهوية العربية

على عكس أقليات تانية، الدروز نادرًا ما طالبوا بدولة مستقلة. في سوريا ولبنان، دايمًا أكدوا انتماءهم الوطني.

في فلسطين، الوضع أعقد. تجنيد بعض الدروز في جيش الاحتلال خلق انقسام داخلي، لكن كتير منهم ما زالوا يعتبروا نفسهم عربًا فلسطينيين.

السويداء اليوم: على حافة الانفجار

النهاردة، السويداء واقفة على مفترق طرق. حوالي 700 ألف درزي بين البقاء، والانقسام، وبين ضغوط دمشق، وتدخلات إقليمية ودولية.

في لعبة مصالح كبيرة بين سوريا، وإسرائيل، والأردن، والولايات المتحدة، الدروز مرة تانية في قلب العاصفة.

الخلاصة: طائفة تعرف كيف تبقى

تاريخ الدروز هو تاريخ البقاء الذكي. لا ذوبان كامل، ولا مواجهة انتحارية.

اختاروا الجبل، واختاروا التوازن، لكن دايمًا كانوا مستعدين يمسكوا السلاح لما البقاء نفسه يبقى مهدد.

والسؤال اللي لسه مفتوح: هل يقدروا يحافظوا على هذا التوازن في شرق أوسط بيتفكك أكتر من أي وقت؟ ولا السويداء هتكون الشرارة الجاية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top